
تتسارع خطى حكومة الوحدة الوطنية الليبية نحو إعادة صياغة المشهد الجوي في البلاد، عبر مشروع استراتيجي يهدف إلى تأسيس“شركة قابضة للطيران”، تأتي هذه الخطوة في وقت حساس يسعى فيه الاقتصاد الليبي للخروج من عنق الزجاجة، معتمداً على بوابة النقل الجوي كركيزة أساسية للربط القاري والدولي.
إعادة الهيكلة: من الشتات إلى الكيان الموحد
تستهدف الحكومة من خلال هذا التوجه توحيد الإدارات المبعثرة ودمج الجهود الفنية واللوجستية تحت مظلة واحدة، وبحسب التصريحات الرسمية الأخيرة في يناير الجاري، فإن المشروع لا يقتصر على كونه كياناً إدارياً فحسب، بل هو “منصة استثمارية” تهدف لإعادة ثقة المنظمات الدولية (مثل الإيكاو) في الأجواء الليبية، والعمل على رفع الحظر المفروض على الطيران الليبي في الأجواء الأوروبية.
شراكات دولية عابرة للحدود
ما يميز هذا التحرك هو الصبغة الدولية التي اكتساها؛ حيث دخلت الحكومة في مشاورات معمقة مع شركة “بوينغ” الأمريكية لتقديم الدعم الاستشاري والفني، تهدف هذه الشراكة إلى تحديث الأسطول الجوي المتهالك، وتدريب الأطقم الوطنية وفق معايير الحداثة، مما يمهدالطريق لتحويل المطارات الليبية إلى مراكز ترانزيت عالمية تربط عمق أفريقيا بالعواصم الأوروبية.
المميزات والسلبيات: قراءة في أبعاد القرار
يتأرجح المشروع بين تطلعات طموحة وتحديات واقعية جسيمة، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولاً: المميزات (نقاط القوة)
* مركزية القرار: القضاء على التضارب الإداري بين الشركات القائمة حالياً (الليبية والأفريقية)، مما يقلل النفقات التشغيلية.
* جذب الاستثمار الأجنبي: وجود كيان قانوني قوي وموحد يسهل إبرام عقود التمويل والشراء مع شركات تصنيع الطائرات العالمية.
* تطوير البنية التحتية: المشروع سيعطي دفعة قوية لمشاريع تطوير مطارات طرابلس وبنينا، لتتناسب مع حجم الطموحات الجديدة.
* خلق فرص عمل: توفير آلاف الوظائف التخصصية للشباب الليبي في مجالات الصيانة، الملاحة، والإدارة الجوية.
ثانياً: السلبيات (التحديات والمخاطر)
* تضخم الجهاز الإداري: خطر دمج شركات تعاني أصلاً من تكدس وظيفي، مما قد يجعل الشركة الجديدة مثقلة بالأعباء المالية منذانطلاقتها.
* الحساسيات السياسية: احتمالية اصطدام المشروع بالتوازنات الجهوية أو السياسية التي قد تعيق توحيد الأصول والمطارات.
* الديون المتراكمة: تعاني الشركات الحالية من مديونيات كبيرة؛ وتحويل هذه الديون إلى الكيان الجديد قد يعيق قدرته على الاقتراض أوالتوسع.
الرهان على الاستدامة
إن نجاح “الشركة القابضة للطيران” مرهون بمدى قدرة الحكومة على فصل الإدارة الفنية عن التجاذبات السياسية، واعتماد مبدأ الشفافيةفي العقود الدولية، إذا ما نُفذ المشروع برؤية اقتصادية بحتة، فقد تشهد السنوات القادمة عودة الطائر الليبي للتحليق في كافة المطاراتالعالمية، معيداً لليبيا دورها كجسر حيوي بين القارات.







