تحقيقات وتحليلات

من “العربية المتحدة” إلى “ناس سوريا”.. هل يعيد التاريخ نفسه في سماء الشرق الأوسط؟

بينما وقع الرئيس أحمد الشرع عقود تأسيس شركة “ناس سوريا” بالتعاون مع المملكة العربية السعودية، لم يكن المشهد مجرد اتفاقية تجارية عابرة، بل كان استدعاءً لواحد من أضخم أحلام الطيران العربي في القرن العشرين.

“ناس سوريا” .. حلم فرض السيادة العربية

فالتاريخ يخبرنا أن “التحالفات الجوية” كانت دائماً البوصلة التي تشير إلى اتجاه العلاقات السياسية والاقتصادية في المنطقة. في عام 1960، وفي ذروة المد القومي تحت قيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وُلد عملاق جوي تحت اسم “شركة الطيران العربية المتحدة” (United Arab Airlines)، كان اندماجاً كاملاً بين شركتي الطيران في مصر وسوريا.

تأسيس شركة "ناس سوريا"
تأسيس شركة “ناس سوريا”

حين قرر “ناصر والقدسي” دمج ‘مصر للطيران’ و’السورية’ في كيان واحد، لم يكن القرار ورقياً فقط؛ بل تم توحيد الأساطيل تحت شعار واحد (إله الشمس المجنح)، وتم استبدال الطائرات السورية بطائرات ‘كوميت 4C’ النفاثة و’فيكرز فيسكاونت’.

كانت دمشق حينها مركزاً لعمليات الربط مع الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، وهو الدور الذي تطمح ‘ناس سوريا’ لاستعادته اليوم ولكن كبوابة تربط سوريا بالعمق العربي والخليجي. حينها عانى الطيران في المنطقة من ‘البيروقراطية’ التي أسقطت تحالفات كبرى.

حينها الهدف، كان خلق كيان قومي ينافس الشركات الغربية، وهو ما نجح فيه الكيان تقنياً لسنوات، لكنه انتهى بانتهاء الوحدة السياسية، لتعود كل شركة إلى مسارها المنفرد. أما اليوم، يعود التحالف السوري مع قوة جوية إقليمية (السعودية هذه المرة)، ولكن بفلسفة مختلفة تماماً، تعتمد قوامها على قوة القطاع الخاص.

التحالف القديم كان “حكومياً صرفاً”، أما اليوم فالرهان على “طيران ناس”، وهو نموذج للقطاع الخاص الناجح الذي لا يتحرك بالعاطفة بل بلغة الأرقام. إضافة إلى ذلك نموذج الطيران الاقتصادي القائم على الشراكة اليوم، بينما في الستينات كان الطيران رفاهية، اليوم “ناس سوريا” تستهدف “ديمقراطية السفر” عبر نموذج (LCC) “الطيران منخفض التكلفة”، لجعل الطيران متاحاً للجميع، وهو تحول جذري في عقلية الإدارة السورية للطيران.

شركة الطيران العربية المتحدة
شركة الطيران العربية المتحدة

لماذا سوريا والسعودية الآن؟

توقيع عقود الشراكة لتأسيس “ناس سوريا”، بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع يعكس رغبة دمشق في “تصفير المشكلات” الاقتصادية عبر بوابة الطيران، فالسعودية، من خلال “طيران ناس”، لا تبحث فقط عن سوق جديد، بل تسعى لتكون “Hub” (مركزاً) عالمياً للطيران ضمن رؤية 2030، ودمج السوق السوري في شبكتها هو خطوة استراتيجية لربط المشرق بالخليج.

ويمتلك ‘طيران ناس’ واحدًا من أحدث الأساطيل في العالم (أغلبه من طراز Airbus A320neo)، وهو الطراز المثالي للرحلات المتوسطة والقصيرة التي تربط المطارات السورية بالمحيط الإقليمي، هذا ‘الذكاء في اختيار الطراز’ هو ما افتقدته التحالفات العربية السابقة التي كانت تشتري طائرات ضخمة لا تتناسب مع اقتصاديات التشغيل في ذلك الوقت.”

تأسيس شركة "ناس سوريا"
تأسيس شركة “ناس سوريا”

هل ينجو “ناس سوريا” مما سقط فيه “العربية المتحدة”؟

التحليل التاريخي، يكشف أن الطيران السوري كان ينهض دائماً بعد كل أزمة سياسية من خلال ‘التحالفات’، فكما كانت الوحدة مع مصر طوق نجاة لتطوير الأسطول في الستينيات، تأتي الشراكة مع السعودية اليوم برعاية الرئيس أحمد الشرع لتكون ‘قبلة الحياة’ لقطاع الطيران المدني السوري، ليس فقط عبر ضخ السيولة، ولكن عبر دمج المطارات السورية في شبكة طيران ناس التي تصل إلى أكثر من 70 وجهة عالمية.

إضافة إلى الخبرة التشغيلية العابرة للحدود لطيران ناس، والحاجة الماسة للسوق السوري للانفتاح الجوي، والمرونة التي يتمتع بها القطاع الخاص بعيداً عن البيروقراطية الحكومية التي أثقلت كاهل تحالف الستينات.

الخلاصة، إذا كان تحالف الستينات قد قام على “وحدة المصير السياسي”، فإن تحالف “ناس سوريا” يقوم على “وحدة المصالح الاقتصادية”. فهل تنجح ‘ناس سوريا’ في تحويل سماء المنطقة من ساحة للتنافس إلى فضاء للتكامل، يردم تحت ركامه المناوشات السياسية لسنوات!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى