في كشف صريح يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القوة الجوية الضاربة للولايات المتحدة، أقر اللفتنانت جنرال ديفيد تابور، نائب رئيس أركان القوات الجوية للخطط والبرامج، بأن أسطول طائرات “إم كيو-9 ريبر” (MQ-9 Reaper) الشهيرة قد تآكل بشكل ملحوظ ليصل إلى قرابة 135 طائرة فقط.
هذا الرقم يضع المؤسسة العسكرية أمام مأزق تشريعي وعملياتي، حيث يبتعد الأسطول الحالي بفارق 54 طائرة عن “الحد الأدنى” الذي فرضه الكونجرس تاريخياً والمقدر بـ 189 طائرة، وهو ما يعكس حجم الاستنزاف الذي تعرضت له هذه المنصة خلال “عملية الملحمة الغاضبة” (Operation Epic Fury).
استنزاف الأسطول وعجز الـ 189 طائرة
أوضح الجنرال تابور أمام لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ أن هذا التراجع ناتج عن “الاستنزاف القتالي” المستمر، مشيراً إلى أن هذه الطائرات هي الأكثر استخداماً في مهام الاستطلاع والهجوم عن بُعد.

ورغم هذا النقص، شدد تابور على أن الخدمة لا تزال قادرة على الوفاء بـ “عقدها العملياتي” الذي يقضي بتوفير 56 خطاً قتالياً حول العالم لخدمة القادة القتاليين على مدار الساعة، لكنه اعترف في الوقت ذاته بأن القوات الجوية تسعى الآن وبشكل عاجل لتمويل عمليات شراء إضافية لتعويض النقص في المخزون الحالي من طراز (MQ-9A).
تكلفة الـ 50 مليون دولار: مأزق الاستدامة المالية
من جانبه، وضع الميجور جنرال كريستوفر نيمي، المسؤول عن ملف تحديث القوات الجوية، النقاط على الحروف فيما يخص التكلفة الباهظة لهذا الاستنزاف.
فبينما كانت “الريبر” هي فرس الرهان في سماء العراق وأفغانستان حيث لا توجد دفاعات جوية حقيقية، أثبتت معارك “الملحمة الغاضبة” أن الاعتماد على طائرة تصل تكلفة النسخة الواحدة منها بمعدات استشعارها المتكاملة إلى 50 مليون دولار هو استراتيجية غير مستدامة مالياً في الأجواء المتنازع عليها.
وأكد نيمي أن التوجه الجديد يهدف للابتعاد تماماً عن فلسفة “الريبر” المكلفة نحو منصات تعتمد على “التصنيع الحديث والمبسط”.
البديل القابل للاستهلاك: استراتيجية البنتاغون الجديدةتعتمد الرؤية الأمريكية المستقبلية على استغلال تقنيات التصنيع التي تسمح بإنتاج طائرات مسيرة بأعداد ضخمة وببنية برمجية مفتوحة، والأهم من ذلك أن تكون هذه الطائرات “قابلة للاستهلاك” (Attritable).
وتكمن الفكرة في إمكانية تجريد هذه الطائرات من حزم المستشعرات فائقة التطور عند إرسالها لبيئات عالية الخطورة، مما يخفض سعرها إلى مستوى يجعل فقدان واحدة أو حتى العشرات منها أمراً مقبولاً من الناحية التشغيلية والمالية، بدلاً من خسارة طائرة واحدة بـ 50 مليون دولار تشل ميزانية القطاع.

مواصفات البديل المنتظر واستجابة الصناعة
وعلى صعيد التنفيذ، كشف اللفتنانت جنرال لوك كروبسي أن فريق الاستحواذ أصدر بالفعل طلباً للمعلومات (RFI) في منتصف أبريل الماضي تحت عنوان “طائرات استطلاع قابلة للاستهلاك”، وقد لاقى هذا الطلب استجابة واسعة من أكثر من 50 شركة. وتسعى القوات الجوية من خلال هذا البرنامج إلى توفير طائرات تتميز بالمواصفات التالية:
- المدى التشغيلي: يتراوح بين 200 إلى 1500 كيلومتر.
- البقاء في الجو: لمدد تتراوح بين 4 إلى 20 ساعة.
- وتيرة الإنتاج: قدرة الشركات على رفع الإنتاج وتسليم الأعداد المطلوبة خلال أشهر قليلة فقط.
مستقبل حروب الدرونز: الكثافة العددية أولاً
يبدو أن القوات الجوية الأمريكية قد استوعبت الدرس القاسي؛ حيث أدركت أن التفوق الجوي في المستقبل لن يعتمد فقط على “دقة” الطائرة أو “تطورها” التقني المنفرد، بل على “الكثافة العددية” والقدرة على التضحية بالمنصات دون المساس بصلابة الأسطول. ويمثل هذا التحرك الجاد لاستبدال “الريبر” أول خطوة حقيقية وشاملة لتغيير وجه حروب الاستطلاع المسيرة منذ أكثر من عقد من الزمان.







