الطيران العسكري

بين الطموح والمخاوف.. مقاتلة F-47 تشعل انقسامًا داخل الأوساط العسكرية الأمريكية

في مارس 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال فترة حكمه الثانية عن منح شركة بوينج عقدًا ضخمًا لتطوير الطائرة المقاتلة الأميركية من الجيل السادس، المسماة F-47 في إطار برنامج Next Generation Air Dominance (NGAD) بقيمة تزيد عن 20 مليار دولار، لكن الخبر لم يلقَ ترحيبًا واسعًا داخل دوائر الطيارين الأمريكيين المخضرمين، الذين عبروا عن تشككهم بقدرة بوينج على تنفيذ المشروع بنجاح.

بوينج بين النجاح والفشل

منحت إدارة ترامب عقد NGAD لشركة بوينج، متجاوزة منافستها التاريخية لوكهد مارتن، في أكبر مشروع دفاعي أمريكي منذ عقود، يُتوقع أن يحل هذا العقد محل المقاتلة F-22 رابتور في الأسطول الأمريكي، ويشكل حجر الزاوية في تفوق الولايات المتحدة الجوي لعقد أو أكثر.
لكن هذا الفوز الكبير يأتي وسط سجل مختلط للشركة، التي واجهت خلال السنوات الماضية تحديات في مشاريع أخرى مثل خزانة الوقود KC-46 وطائرات التدريب T-7A، بالإضافة إلى مشاكل في قسمها التجاري من الطائرات المدنية وعمليات تسليمها.
المحللون يشيرون إلى أن توسيع العقود يمثل فرصة حيوية لشركة تكافح ماليًا واستراتيجيًا، لكن هذا التكليف الكبير يثير تساؤلات حول ما إذا كانت بوينج تمتلك القدرات الضرورية لإنجاح برنامج بمثل هذا التعقيد.

ردود الفعل: شكوك من داخل المجتمع العسكري

عقب إعلان العقد، طرح عدد من الطيارين الأمريكيين السابقين انتقادات حادة حول خيار بوينج، معتبرين أن الشركة تعاني من مشاكل بنيوية في تنفيذ المشاريع المعقدة:

سي. دبليو. ليموين، طيار سابق في سلاح الجو الأمريكي (F-16)، أشار في تعليق له إلى أن بوينج واجهت مشكلات في معظم برامجها الدفاعية باستثناء F-15EX، وأن أخطاء مماثلة قد تتكرر مع مشروع F-47.

تي. كاي. هارتسوك، طيار ومدرب سابق في البحرية والقوات الجوية، أبدى قلقًا من عدم وجود تفاصيل واضحة عن قدرات الطائرة الجديدة وقدرة الشركة على دمج التكنولوجيا المتقدمة في الجدول الزمني المقترح.

حسرد لي، طيار سابق في F-35 وF-16، أكد أن طموحات F-47 في التفوق على طائرات الجيل السابق قد تواجه صعوبات كبيرة في التنفيذ، خاصة في مجالات الاستشعار والقدرات التخفيّة.

هذه التحفّظات لم تأتِ من جهات سياسية، بل من أشخاص لهم خبرة عملية في قيادة وتقييم الطائرات القتالية، ما يضفي على مخاوفهم وزنًا خاصًا في النقاش العام حول المشروع.

التحديات الفنية والتاريخية

من أبرز الانتقادات الموجّهة لبوينج أنها لم تطور طائرة مقاتلة من الصفر منذ ما يقرب من ثمانين عامًا، بدلاً من ذلك، اعتمدت الشركة في مشروعاتها السابقة على شراء أو صيانة برامج طائرات أُنشئت في الأصل من قبل شركات أخرى، مثل F-15 Eagle و F/A-18 Hornet.
كما أن بوينج تُعد أقل خبرة — مقارنة بمنافسيها مثل لوكهد مارتن و نورثروب جرومان — في مجال تصميم وبناء الطائرات ذات قدرات التخفي المتقدمة (Stealth)، وهي خاصية تعتبر أساسية في طائرات الجيل السادس المتوقعة.
وبحسب منتقدين، فإن صعوبات تصميم طائرة مثالية تخفي الرادار وتدمج أنظمة استشعار عالية الأداء في الوقت نفسه قد تؤدي إلى تجاوزات في الميزانية وتأخيرات في التسليم — وهو ما حدث بالفعل في مشاريع أخرى داخل الشركة.

طريق طويل قبل أن يرى العالم F-47

بينما يمثل العقد فرصة كبيرة لشركة بوينج لتعزيز مركزها في سوق الدفاع العالمي، يبقى المشروع محفوفًا بالشكوك والتحديات، الطيارون السابقون، من خلال ملاحظاتهم، يسلّطون الضوء على الفجوة بين الطموح والواقع في صناعة طائرات الجيل السادس، مما يعكس التناقض بين رهانات السلطة السياسية والتقديرات الفنية المتخصّصة.
يبقى السؤال الأهم: هل ستثبت بوينج قدرتها على تحويل هذا العقد التاريخي إلى نجاح تقني حقيقي، أم أنه سيكون عبئًا ثقيلًا يضاف إلى سجلها المليء بالتحديات؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى